انتقل إلى المحتوى
انضم

سقتني حميا الحب راحة مقلتي

ابن الفارض
١سَقَتني حُمَيَّا الحُبَّ راحَةَ مُقلَتيوَكَأسي مُحَيَّا مَن عَنِ الحُسنِ جَلَّتِ
٢فَأَوهَمتُ صَحبي أنَّ شُربَ شَرابهِمبهِ سُرَّ سِرِّي في انتِشائي بنَظرَةِ
٣وبالحَدَقِ استغنَيتُ عن قَدَحي ومِنشَمائِلِها لا من شَموليَ نَشوَتي
٤ففي حانِ سُكري حانَ شُكري لِفِتيَةٍبِهِم تَمَّ لي كَتمُ الهَوَى مَعَ شُهرَتي
٥وَلَمَّا انقضى صَحوي تَقاضَيتُ وَصلَهاوَلَم يغشَني في بَسطِها قَبضُ خَشيَةِ
٦وَأَبثَثَتُها ما بي وَلَم يَكُ حاضِريرَقِيبٌ لها حاظٍ بخَلوَةِ جَلوَتي
٧وقُلتُ وحالي بالصبَّابَةِ شاهدٌوَوَجدي بها ماحِيَّ والفَقدُ مُثبِتي
٨هَبي قَبلَ يُفني الحُبُّ مِنِّي بَقيَّةًأَراكِ بِها لي نَظرَةَ المتَلَفِّتِ
٩ومُنِّي عَلى سَمعي بلَن إن مَنَعتِ أَنأَراكِ فمِن قَبلي لِغيرِيَ لذَّتِ
١٠فعِندي لسُكري فاقَةٌ لإِفاقَةٍلَها كَبِدي لَولا الهَوى لم تُفتَّتِ
١١وَلَو أَنَّ ما بي بِالجِبالِ وَكانَ طُورُ سِينا بها قبلَ التَجلِّي لدُكَّتِ
١٢هَوى عَبرَةٌ نَمَّت بِهِ وجَوىً نَمَتبِهِ حُرَقٌ أدوَاؤُها بِيَ أودَتِ
١٣فَطُوفانُ نوحٍ عندَ نَوحي كَأَدمُعيوَإيقادُ نِيرانِ الخَليلِ كلَوعَتي
١٤وَلَولا زَفيري أَغرَقَتنيَ أَدمُعيوَلَولا دُموعي أَحرَقَتنيَ زَفرَتي
١٥وَحُزني ما يَعقوبُ بَثَّ أقلَّهُوكُلُّ بِلى أيُّوبَ بعضُ بلِيَّتي
١٦وآخِرُ ما لاقى الأُلى عَشِقوا إلى الرْرَدَى بعضُ ما لاقيتٌ أوَّلَ مِحنَتي
١٧فلَو سَمِعَت أذنُ الدَّليلِ تَأَوُّهيلآلامِ أسقامٍ بِجِسمي أضَرَّتِ
١٨لَأَذكَرَهُ كَربي أَذى عَيشِ أزمَةٍبِمُنقطِعي ركبٍ إِذا العيسُ زُمَّتِ
١٩وَقَد بَرَّحَ التَّبريحُ بي وَأَبادَنيوَأَبدى الضَّنى مِنِّي خَفِيَّ حَقيقَتِي
٢٠فنادَمتُ في سُكري النُحولَ مُراقِبيبجُملَةِ أَسراري وتَفصيلِ سِيرَتِي
٢١ظَهَرتُ لَهُ وَصفاً وَذاتي بِحَيثُ لايَراها لِبِلوى مِن جَوى الحُبِّ أَبلَتِ
٢٢فَأَبدَت وَلَم يَنطِق لِساني لِسمعِهِهَواجِسُ نَفسي سِرَّ ما عَنهُ أخفَتِ
٢٣وظلَّت لِفكري أُذنُهُ خَلَداً بهايدورُ بِه عن رؤيَةِ العينِ أغنَتِ
٢٤فَأَخبَرَ مَن في الحيَّ عَنِّيَ ظاهراًبِباطِنِ أَمري وَهُوَ من أهلِ خُبرَتي
٢٥كَأنَّ الكِرَامَ الكَاتِبينَ تَنَزَّلواعلى قلبِهِ وَحياً بما في صَحيفَتي
٢٦ومَا كانَ يَدري ما أُجِنُّ وما الَّذيحَشايَ مِنَ السِّرِّ المَصُونِ أكنَّتِ
٢٧وَكَشفُ حِجابِ الجسمِ أبرَزَ سِرَّ مابِهِ كَانَ مَستُوراً لَه مِن سَريرَتِي
٢٨فَكُنتُ بسِرِّي عَنهُ في خُفيَةٍ وَقَدخَفَتهُ لِوَهنٍ من نحوليَ أنَّتي
٢٩فَأَظهَرني سُقمٌ بِهِ كُنتُ خافياًلَهُ وَالهَوى يَأتي بِكُلِّ غَريبَةِ
٣٠وَأَفرطَ بي ضُرٌّ تَلاشَت لمَسِّهِأَحاديثُ نَفسٍ بالمَدامِعِ نُمَّتِ
٣١فلو هَمَّ مَكروهُ الرَّدى بي لَما دَرىمَكاني وَمِن إِخفاءِ حُبَّكِ خُفيَتي
٣٢وما بينَ شوقٍ واشتياقٍ فَنِيتُ فيتَوَلٍّ بحَظرٍ أو تَجَلٍّ بِحضرَةِ
٣٣فلو لِفَنائي من فِنائِكَ رُدَّ ليفؤاديَ لم يرغَب إلى دارِ غُربَةِ
٣٤وعُنوانُ شأني ما أبُثَّكِ بِعضَهُوما تحتَهُ إظهارُهُ فوقَ قُدرتي
٣٥وأُمسِكُ عَجزاً عَن أُمورٍ كَثيرةِبنُطقِيَ لَن تُحصى وَلَو قُلتُ قَلَّتِ
٣٦شِفائِيَ أَشفى بل قَضى الوَجدُ أَن قَضىوبَردُ غليلي واحِدٌ حَرَّ غُلَّتي
٣٧وباليَ أبلى مِن ثيابِ تَجَلُّديبه الذَّاتُ في الإعدامِ نيطَت بلَذَّةِ
٣٨فَلو كَشَفَ العُوَّادُ بي وتَحَقَّقُوامنَ اللَّوحِ ما مِنَّي الصَّبابةُ أبقَتِ
٣٩لمَا شاهَدَت منِّي بَصائِرهُم سِوىتخَلُّلِ رُوحٍ بينَ أثوابِ مَيِّتِ
٤٠وَمُنذُ عَفا رَسمي وَهِمتُ وهِمتُ فيوُجودي فَلَم تَظفَر بكَونِيَ فِكرَتي
٤١وَبَعدُ فَحالي فيكِ قامَت بِنَفسِهاوَبَيِّنَتي في سَبقِ روحي بَنِيَّتي
٤٢وَلَم أَحكِ في حُبِّيكِ حالي تَبرُّماًبِها لاضطِرابٍ بَل لِتَنفِيسِ كُربَتي
٤٣ويَحسُنُ إظهارُ التَجلُّدِ للعِدىويقبُحُ غَيرُ العَجزِ عندَ الأحِبَّةِ
٤٤وَيَمنَعُني شكوَايَ حُسنُ تَصَبُّريوَلَو أَشكُ لِلأَعداءِ ما بي لأَشكَتِ
٤٥وَعُقبى اصطِباري في هَواكِ حمِيدةٌعَلَيكِ وَلَكِن عَنكِ غَيرُ حَميدَةِ
٤٦وَما حلَّ بي من مِحنَةٍ فَهوَ مِنحَةٌوقد سَلِمَت من حَلِّ عَقدٍ عَزيمَتي
٤٧وكُلُّ أذىً في الحُبِّ مِنكِ إذا بَداجَعَلتُ لهُ شُكرِي مكانَ شَكِيَّتي
٤٨نَعَم وَتَباريحُ الصَّبابَةِ إن عَدَتعَلَيَّ مِنَ النَّعماءِ في الحبِّ عُدَّتِ
٤٩وَمِنكِ شَقائي بَل بَلائِيَ مِنَّةٌوفيكِ لِباسُ البؤسِ أسبَغ نِعمَةِ
٥٠أرانِيَ ما أُوليتُهُ خيرَ قِنيَةٍقديمُ وَلائي فيكِ من شَرّ فِتيَةِ
٥١فلاحٍ وواشٍ ذاك يُهدي لِعزَّةٍضَلالاً وذا بي ظَلَّ يَهذِي لغِرَّةِ
٥٢أُخالِفُ ذا في لومِهِ عن تُقَىً كماأخالِفُ ذا في لؤمِهِ عن تَقيَّةِ
٥٣وَمَا رَدَّ وَجهِي عَن سَبيلِكِ هَولُ مالَقيتُ ولا ضَرَّاءُ في ذاكَ مَسَّتِ
٥٤وَلا حِلمَ لي في حَملِ ما فيكِ نالَنييُؤدّي لحَمدي أو لمَدحِ مَوَدّتِي
٥٥قضى حُسنُكِ الدَّاعي إِليكِ احتِمالَ ماقصَصتُ وأَقصى بَعدَما بعدَ قِصَّتي
٥٦وما هُو إلَّا أَن ظَهَرتِ لِناظِرِيبأَكمَلِ أَوصافٍ على الحُسنِ أَربَتِ
٥٧فَحلَّيتِ لي البَلوَى فَخلَّيتِ بَينهاوبَينِي فَكانَت مِنكِ أَجملَ حِليَةِ
٥٨ومَن يَتَحَرَّش بِالجَمالِ إِلى الرَّدىرَأَى نَفسَهُ من أَنفَس العَيشِ رُدَّتِ
٥٩وَنَفسٌ تَرى في الحُبِّ أن لا ترى عَناًمَتى ما تَصَدَّت للصَّبابِة صُدَّتِ
٦٠وما ظفِرَت بالوُدِّ روحٌ مُراحَةٌولا بالوَلا نَفسٌ صفا العيشِ وَدَّتِ

الشرح

16 مواضع
  • سَقَتني حُمَيَّا الحُبَّ راحَةَ مُقلَتيأي سقتني راحةُ إنسان عيني شرابُ المحبة، والحال أنّ كأس ذلك الشراب كان وجه من جلّت وتعالت عن الحسن.
  • وَكَأسي مُحَيَّا مَن عَنِ الحُسنِ جَلَّتِأي سقتني راحةُ إنسان عيني شرابُ المحبة، والحال أنّ كأس ذلك الشراب كان وجه من جلّت وتعالت عن الحسن.
  • فَأَوهَمتُ صَحبي أنَّ شُربَ شَرابهِمأي: أوهمت أهل الطريق والسلوك المشاهدين لجمال الصفات، و المتعلقين بحسن الأفعال والمظاهر دون الذات، بنظري معشوقهم الصوريّ، و محبوبهم الظاهريّ، أن بشرب شرابهم حصل لسري السرورُ حال كوني منتشيّا، فظنوا أن سرور روحي وانتشاء قلبي، حصل مما أدركوه ونظروا إليه من تجليات الصفات في مظاهر الذات، ومعاني الأفعال في صور الآثار، ولم يعلموا أني مستغرق بتجلي الذات مُهيم بجمالها مشغول بها عن غيرها.
  • بهِ سُرَّ سِرِّي في انتِشائي بنَظرَةِأي: أوهمت أهل الطريق والسلوك المشاهدين لجمال الصفات، و المتعلقين بحسن الأفعال والمظاهر دون الذات، بنظري معشوقهم الصوريّ، و محبوبهم الظاهريّ، أن بشرب شرابهم حصل لسري السرورُ حال كوني منتشيّا، فظنوا أن سرور روحي وانتشاء قلبي، حصل مما أدركوه ونظروا إليه من تجليات الصفات في مظاهر الذات، ومعاني الأفعال في صور الآثار، ولم يعلموا أني مستغرق بتجلي الذات مُهيم بجمالها مشغول بها عن غيرها.
  • وبالحَدَقِ استغنَيتُ عن قَدَحي ومِنأي : وبعيني التي تشاهد جمال الذات في مظاهر الأسماء والصفات، استغنيت عن القدح الذي يشرب به الراح؛ ونشوتي وسكري إنما هو من شمائلها وجمالها، لا من الشمول الذي هو حُسن الصفات والآثار.
  • شَمائِلِها لا من شَموليَ نَشوَتيأي : وبعيني التي تشاهد جمال الذات في مظاهر الأسماء والصفات، استغنيت عن القدح الذي يشرب به الراح؛ ونشوتي وسكري إنما هو من شمائلها وجمالها، لا من الشمول الذي هو حُسن الصفات والآثار.
  • ففي حانِ سُكري حانَ شُكري لِفِتيَةٍأي : إذا كان الأمر كذلك، حانَ أن أشكر في موضع سكري لفتية بسببهم تم لي كتمان الهوى أي كتماني الهوى مع شهرتي بالهوى بين الخلائق.
  • بِهِم تَمَّ لي كَتمُ الهَوَى مَعَ شُهرَتيأي : إذا كان الأمر كذلك، حانَ أن أشكر في موضع سكري لفتية بسببهم تم لي كتمان الهوى أي كتماني الهوى مع شهرتي بالهوى بين الخلائق.
  • وَلَمَّا انقضى صَحوي تَقاضَيتُ وَصلَهاأي : لما انقضى صحوي الأول وغلب عليّ السكر، حصل لي المباسطة مع المحبوبة فطلبت وصلها، والحال أنه لم يغشني في المباسطة معها قبض الخشية مع عظمتها وكبريائها.
  • وَلَم يغشَني في بَسطِها قَبضُ خَشيَةِأي : لما انقضى صحوي الأول وغلب عليّ السكر، حصل لي المباسطة مع المحبوبة فطلبت وصلها، والحال أنه لم يغشني في المباسطة معها قبض الخشية مع عظمتها وكبريائها.
  • وَأَبثَثَتُها ما بي وَلَم يَكُ حاضِريأي : لمّا تقاضيت وصلها وأظهت لها ما حلّ بيّ من المحن والبلايا والآلام وأسقام العشق في الخلوة التي تجلّت فيها المحبوبة لي، والحال إنه لم يكن حاضراً عندي رقيب حظ، أي : رقيب هو بقاء حظي.
  • رَقِيبٌ لها حاظٍ بخَلوَةِ جَلوَتيأي : لمّا تقاضيت وصلها وأظهت لها ما حلّ بيّ من المحن والبلايا والآلام وأسقام العشق في الخلوة التي تجلّت فيها المحبوبة لي، والحال إنه لم يكن حاضراً عندي رقيب حظ، أي : رقيب هو بقاء حظي.
  • وقُلتُ وحالي بالصبَّابَةِ شاهدٌأي : قلت والحالُ أن حالي شاهد بالصبابة، ووجدي للمحبوبة ونور جمالها يمحوني بسبب الصبابة، وفقدي إياها يثبتني.
  • وَوَجدي بها ماحِيَّ والفَقدُ مُثبِتيأي : قلت والحالُ أن حالي شاهد بالصبابة، ووجدي للمحبوبة ونور جمالها يمحوني بسبب الصبابة، وفقدي إياها يثبتني.
  • هَبي قَبلَ يُفني الحُبُّ مِنِّي بَقيَّةًأي : قلت لها : هبي لي نظرة كنظرة المتلفت، قبل أن يفني الحب بقية مني أراك بتلك البقية.
  • أَراكِ بِها لي نَظرَةَ المتَلَفِّتِأي : قلت لها : هبي لي نظرة كنظرة المتلفت، قبل أن يفني الحب بقية مني أراك بتلك البقية.

اقرأ أيضًا لـابن الفارض

عرض الكل

المصادر والحقوقرقم القصيدة 1560